الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء
14
الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية
أمّا معرفة حقائق الأشياء فدعها ناحية واتركها زاوية ، ولا تغترّ بقولهم : ( إنّ الحكمة : معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه ) ، بعد استدراكهم ذلك بقولهم : ( بحسب الطاقة البشرية ) « 1 » . والطاقة البشرية دون العروج إلى ذلك الشأو « 2 » بمسافات عجزت قواهم وقُدرها عن تقديرها ، بَلْهَ تصويرها . خذها عني ناصعةً بيضاء كفلق الصبح : إنّ معرفة حقائق الأشياء بل حقيقة أيّ شيء من الأشياء كنز مرصود ما انحلّت طلاسمه ولا رُقيت عزائمه ، وهو من الغيب الذي ما مُلكت مفاتحه ولا فُتحت مغالقه ، إلّالمن : « عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ » « 3 » . وإنّما المتيسّر هو معرفة الأشياء بآثارها ولوازمها لا بحقائقها وجواهرها ، وباختلاف الآثار نحكم باختلاف حقائقها ، فإنّ تمايز الآثار آية تمايز المؤثّرات ، والحقيقة الواحدة ذات أثر واحد ، وإلّا لزم الخلف ، فتلطّف وتدبّر . نعم ، إذا كان الإنسان على كتلات الليالي وربوات الأيّام لا يزال مستشرفاً مشرأباً يعاني ويجهد في البحث عن معرفة حقيقة نفسه ، فلا يزداد إلّاحيرة ودهشة وتقاعساً ودحوراً ، وكلّما سعى إليها أحسّ بهاجس يهتف به : عُدْ ، فالباب موصود ، والطريق مسدود ، والطالب مردود ! فما ظنّك به لو طلب معرفة غيره من الحقائق ؟ !
--> ( 1 ) قارن : رسائل إخوان الصفا 3 : 143 ، التعريفات للجرجاني 66 ، كشّاف اصطلاحات الفنون 1 : 36 ، أبجد العلوم 2 : 207 ، دستور العلماء 2 : 32 . ( 2 ) الشأو : الغاية والأمد . ( صحاح اللغة 6 : 2388 ) . ( 3 ) سورة الأنعام 6 : 59 .